علي بن محمد البغدادي الماوردي
105
النكت والعيون تفسير الماوردى
قوله عزّ وجل : قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أمر اللّه تعالى نبيه أن يقول لمشركي قريش مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثم أمره أن يقول لهم : قُلِ اللَّهُ إن لم يقولوا ذلك إفهاما قالوه تقريرا لأنه جعل ذلك إلزاما . قُلْ أَ فَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا ثم أمره صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقول لهم هذا بعد اعترافهم بالله : أفاتخذتم من دون الخالق المنعم آلهة من أصنام وأوثان فعبدتموها من دونه ، لا يملكون لأنفسهم نفعا يوصلونه إليها ولا ضرا يدفعونه عنها ، فكيف يملكون لكم نفعا أو ضرا ؟ وهذا إلزام صحيح . ثم قال تعالى قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ وهذا مثل ضربه اللّه للمؤمن والكافر كالأعمى والبصير ، والهدى والضلالة كالظلمات والنور ، فالمؤمن في هداه كالبصير يمشي في النور ، والكافر في ضلاله كالأعمى يمشي في الظلمات ، وهما لا يستويان ، فكذلك المؤمن والكافر لا يستويان ، وهذا من أصح مثل ضربه اللّه تعالى وأوضح تشبيه . ثم قال تعالى : أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ومعناه أنه لما لم يخلق آلهتهم التي عبدوها خلقا كخلق اللّه فيتشابه عليهم خلق آلهتهم بخلق اللّه فلما اشتبه عليهم حتى عبدوها كعبادة اللّه تعالى ؟ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فلزم لذلك أن يعبده كل شيء . وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ . وفي قوله فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ تأويلان : أحدهما : فتماثل الخلق عليهم . الثاني : فأشكل الخلق عليهم ، ذكرهما ابن شجرة . [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 17 ] أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ ( 17 )